المقريزي
268
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
البحر ، وربما جلفط في بعض السنين خوفا من غرق المقس ، ثم لما طال المدى غرق خارج باب البحر بأرض باطن اللوق ، وغرس فيه الأشجار فصار بساتين ومزارع ، وبقي موضع هذه القنطرة جرفا ، ورمى الناس عليه التراب فصار كوما يشنق عليه أرباب الجرائم ، ثم نقل ما هنالك من التراب وأنشئت هذه القنطرة ونودي في الناس بالعمارة ، فأوّل ما بني في غربيّ هذه القنطرة مسجد المهاميزيّ وبستانه ، ثم تتابع الناس في العمارة حتى انتظم ما بين شاطيء النيل ببولاق وباب البحر عرضا ، وما بين منشأة المهراني ومنية الشيرج طولا ، وصار ما بجانبي الخليج معمورا بالدور ومن ورائها البساتين والأسواق والحمّامات والمساجد ، وتقسمت الطرق وتعدّدت الشوارع وصار خارج القاهرة من الجهة الغربية عدّة مدائن . قنطرة الحاجب : هذه القنطرة على الخليج الناصري ، يتوصل إليها من أرض الطبالة ، ويسير الناس عليها إلى منية الشيرج وغيرها ، أنشأها الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب في سنة ست وعشرين وسبعمائة ، وذلك أنه كانت أرض الطبالة بيده ، فلما شرع السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في حفر الخليج الناصريّ ، التمس بكتمر من المهندسين إذا وصلوا بالحفر إلى حيث الجرف أن يمرّوا به على بركة الطوّابين التي تعرف اليوم ببركة الرطليّ ، وينتهوا من هناك إلى الخليج الكبير ، ففعلوا ذلك وكان قصدهم أولا أنه إذا انتهى الحفر إلى الجرف مرّوا فيه إلى الخليج الكبير من طرف البعل ، فلما تهيأ لبكتمر ذلك عمرت له أراضي الطبالة كما يأتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى عند ذكر البرك ، فعمرت هذه القنطرة في سنة خمس وعشرين وسبعمائة ، وأسند إليها جسرا عمله حاجزا بين بركة الحاجب المعروفة ببركة الرطليّ وبين الخليج الناصريّ ، وسيرد ذكره إن شاء اللّه تعالى عند ذكر الجسور ، ولما عمرت هذه القنطرة اتصلت العمائر فيما بينها وبين كوم الريش ، وعمر قبالتها ربع عرف بربع الزيتيّ ، وكان على ظهر القنطرة صفان من حوانيت ، وعليها سقيفة تقي حرّ الشمس وغيره ، فلما غرق كوم الريش في سنة بضع وستين وسبعمائة صار هذا الكوم الذي خارج القنطرة ، ومن تحت هذه القنطرة يصب الخليج الناصريّ في الخليج الكبير ، ويمرّ إلى حيث القنطرة الجديدة وقناطر الأوز وغيرها ، كما تقدّم ذكره . قنطرة الدكة : هذه القنطرة كانت تعرف بقنطرة الدكة ، ثم عرفت بقنطرة التركمانيّ من أجل أن الأمير بدر الدين التركمانيّ عمرها ، وهذه القنطرة كانت على خليج الذكر ، وقد انطم ما تحتها وصارت معقودة على التراب لتلاف خليج الذكر ، وللّه در إبراهيم المعمار حيث يقول : يا طالب الدّكّة نلت المنى * وفزت منها ببلوغ الوطر قنطرة من فوقها دكّة * من تحتها تلقى خليج الذكر قناطر بحر أبي المنجا : هذه القناطر من أعظم قناطر مصر وأكبرها ، أنشأها السلطان